الخليفة عثمان والصحابة الكرام ودروس للحكام والمحكومين في زمن الفتنة
من مزايا الإسلام العظيم أنه لم يقدّم شريعة وأحكامًا نظرية، بل قدّم من خلال سنَّة النبي r، وسنَّة خلفائه الراشدين، وصحابته الطيبين الطاهرين تطبيقات عملية لهذه الشريعة في ظروف شتى، تصلح للاسترشاد بها وأَخْذ العبر والدروس باستمرار. وكان هذا مهمًا من أجل صَقْل أخلاقهم، ومن أجل إظهار تربيتهم التي تربوها على يد النبي r. ففي زمن الابتلاء كانوا يدركون تماما أن الله تعالى لم يودِّعهم ولم يتركْهم، وكانوا يعلمون أنَّ المطلوب منهم هو الثبات والاستقامة على ما عاهدوا اللهَ عليه، وعلى الله تعالى النتائج. ولكنهم كانوا واثقين أيضا بأنَّ العاقبة لهم، وأنَّ الله أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره الكافرون، وسعت الدنيا كلها للحيلولة دون ذلك.
وهكذا، فإنَّ الفتنةَ التي نشأت في زمن سيدنا عثمان t، كانت فرصةً لإظهار استقامتهم وثباتهم، ولإظهار توكّلهم العظيم على الله تعالى، وتمسكهم بالمبادئ وبتعاليم الإسلام في كل الظروف. فلم ينظروا إليها كنكسةٍ للإسلام أو مقدمة لانهياره، بل أدركوا أن هذا زمن الثبات والاستقامة، وأن الإسلام سيجتاز هذه المرحلة بنجاح، ووعد الله لا بد أن يتحقق. فهم أنفسهم من قالوا عندما بلغ الكربُ أَشُدَّه في غزوة الأحزاب:
{ وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا } (الأحزاب 23)
أي أن الظروف الصعبة كانت دوما تُذكرهم بالوعود الإلهية؛ فالله تعالى قد وعد بالابتلاءات وبالخروج منها بتقدم وازدهار كبير، وأن غلبة الإسلام ترتبط دوما باجتياز الظروف الصعبة والانتصار عليها. ولم تكن الظروفُ الصعبة سببا لديهم في اليأس أو القنوط أو التخبط.
وقد نشأت الفتنةُ في زمن سيدنا عثمان t، بعد امتداد رقعةِ الدولةِ الإسلامية بتسارع كبير، وبعد دخول عدد كبير من الناس في الإسلام دون أن يحصلوا على تربية كافية على يد صحابة النبي r، حيث كان سهلا أن تتفشى بينهم الفتنة. فهؤلاء لم يدركوا مقامَ الخلافة الراشدة ولم يَقْدروه حقَّ قدْره. كما لم يُقدِّروا تقوى الخليفةِ وتسامحه وعدله وحرصه على عدم سفك الدماء. فاستمروا في فتنتهم التي ركزت على أن الصلاحَ كلَّ الصلاح في عزل الخليفةِ، وأن الشعبَ يريدُ إسقاطَ الخليفةَ، وألا تراجعَ عن هذا المطلب، وأعلنوا أن كل الأمور ستنصلح تلقائيا بعد إزالة هذا الخليفة الذي ظلمَ واغتصب الحقوق، وميَّز أقاربه من بني أميةَ وأغدق عليهم بالأموال والمناصب، كما أنه قد فقد الأهلية بسبب تقدمه في السن!!
فكيف تصرّف حضرته t، وكيف تصرّف الصحابة الكرام رضوان الله عليهم، وكيف تصرّف الثوار؟ ثم كيف كانت العاقبة؟
لقد أدركَ الخليفة t، بعد أن فعل كلَّ ما بوسعه لإرضاء الثائرين، والإجابة على تساؤلاتهم وشكوكهم، وبعد أن حاول إثباتَ براءته، بكل تواضع، من التهم التي أُلصقت به، أنه هو المستهدف؛ فاختارَ أنْ يضحي بنفسه ويتنازلَ عن كلِّ حقوقه حقنا للدماء، وأرادَ ألا تُسفك قطرة دم واحدةٍ دفاعا عنه.
لقد خيّره الثوارُ بين أن يعتزل الخلافة أو أن يقتل، فما كان له أن يختار اعتزالَ الخلافةِ مسيئا بذلك لهذا المنصب المقدس الذي عيّنه الله تعالى فيه. فقبوله بالاعتزال نزولا عند رغبة الناس كأنه اعتراف بأن الناس هم من عينوه، ولهذا من حقهم أن يعزلوه. وهذه هي النقطة الهامة التي جعلته رافضا لهذا الخيار بكل قوة، وليس التمسك بالسلطة حتى الرمق الأخير!
ومع أنهم خيروه بين أمرين؛ إلا أنه كان يمكن أن يختار خيارا ثالثا؛ وهو أن يقرر قتالهم دفاعا عن مقام الخلافة، وكان هذا من حقِّه، بل كان هذا الخيار سيلاقي ارتياحا بين الصحابة الكرام والمخلصين من التابعين الذين يتحرقون للدفاع عن خليفتهم والقضاء على هذه الفتنة. لكنه رفض هذا الخيار المشروع، حرصا منه على حقن دماء المسلمين.
كان يمكن له أن يُعلن أنه رمزٌ للخلافة وللدولة ولهيبتها، وأن الاعتداء عليه هو اعتداء على هيبة الإسلام وعلى مقام الخلافة، ولكنه لم يفعل ذلك لإدراكه بأن مقامَ الخلافة الرفيع لا يمكن أنْ يُمسَّ أو يهان؛ حتى لو






















